اللعب مع التاريخ .. لعبة الإنجليز

ياسر أيوب
احتاجت كرة القدم فى مصر ثمانى سنوات كاملة حتى يكتمل خروجها من معسكرات الجيش الإنجليزى إلى الحارات والشوارع والبيوت .. ثمانى سنوات منذ بداية الاحتلال الإنجليزى لمصر عام 1882 حتى جاء عام 1890 لتبدأ صحافة مصر وقتها فى لانتباه لهذه اللعبة الجديدة .. وتنتقدها وتهاجمها أيضا .. وتحذر الناس من شغف الأطفال بلعبة الإنجليز التى هى قذف الكرة فى الأراضى الفضاء
ولم تفلح كل محاولات الجند فى منع الأطفال من ممارسة هواياتهم فاضطروا إلى إبلاغ أولياء أمورهم بهذا العبث بدلا من مطاردة أصحاب المنازل لهم .. وحاولت الصحافة وقتها تحذير الناس من لعبة الإنجليز ..
ومن هذا العبث الذى هو شغف الأطفال بها
ولا يعنى كل ذلك إلا أن كرة القدم خلال ثمانى سنوات لم تعد مجرد لعبة مقصورة على معسكرات الإنجليز وثكناتهم .. ولم يعد المصريون يمارسونها فى خجل وعلى استحياء .. بل أصبح الجميع يعرفونها حتى وإن لم يقعوا فى حبها .. الكبار والصغار .. من تربطه علاقة ما بالإنجليز ومن لا يعرف حتى من هم الإنجليز أو لماذا جاءوا من بلادهم البعيدة إلى مصر
ولم تخرج لعبة الإنجليز من معسكرات الإنجليز للشوارع والحارات المصرية مرة واحدة أو بشكل بسيط ومباشر وواضح .. ففى البداية كان هناك المصريون الذين يعملون داخل هذه المعسكرات ويشاهدون الجنود وهم يلعبون الكرة .. ويعود هؤلاء إلى البيوت والمقاهى يحكون عما رآوه نهارا فى المعسكرات .. لم يكن أحد وقتها يقول كرة قدم إنما كان اسمها لعبة الإنجليز .. وهو أول اسم أطلقه المصريين على كرة القدم
وبدأ بعض هؤلاء لا يكتفون بالحكى إنما بدأوا يقعون فى غرام اللعبة نفسها ويمارسونها داخل المعسكرات أولا مع الآنجليز أنفسهم .. ثم بدأت الكرة نفسها تخرج من المعسكرات إلى الشارع لتثير فضول وإعجاب وإقبال كثيرين فى أى شارع أو حارة
وبدأ الذى تعلم لعب الكرة أولا فى المعسكر يمارس لعبها بعد ذلك فى الشارع سواء من باب الوجاهة والتميز أو بدافع الغرام الصادق والحقيقى .. ومنه بدأ كثيرون آخرون اكتشاف متعة كرة القدم ويتعلمون كيف يسددون الكرة وكيف يجرون وراءها أو بها
ولم يعد غريبا أو مفاجئا أن يشمر أحد المتفرجين جلبابه وينزل بدوره يحاول تسديد أو ضرب الكرة بقدمه فيصيبها مرة ويخيبها مرات .. ثم يمسك الكرة بيده فيثبتها ويضع قدمه عليها ثم يدفعها وهكذا يظل يحاول من أجل التفوق وضبط اللعب ثم وصلنا لمرحلة المناورة والتغزيل وتصفيق المشاهدين ومن ثم إعجاب أبناء الحي والشارع بهذه القدرة الغريبة
وبدأ الكثيرون يتعلمون كل المصطلحات الكروية باللغة الإنجليزية كما سمعوها وتعلموها من الإنجليز أنفسهم .. فلعبة الإنجليز تغير اسمها ليصبح الفوتبول .. والمرمى هو الجول .. والحكم هو الريفرى .. والعرقلة فاول .. والكرة خارج الملعب أوت .. وضربة الجزاء بنالتى
ثم بدأ المصريون يخترعون لغتهم الكروية الخاصة بهم بعيدا عن اللغتين الإنجليزية أو العربية أيضا .. وابتكر المصريون مفردات كروية جديدة .. فالريفرى أصبح هو الرف .. والبنالتى باتت بلن .. والجول أصبح هو الجون بحرف النون .. ومفردات أخرى كثيرة واصطلاحات جديدة كثيرة توقفت أمامها الدكتورة إيفا لافريش .. أستاذة الجامعة التى ولدت فى النمسا وواصلت دراستها حتى باتت متخصصة فى علم اللغويات واللهجات المختلفة وتقوم بتدريس ذلك فى أكثر من جامعة أوروبية .. وكان مشروعها الأكبر والأشهر هو الخاص بتأثير كرة القدم على ثقافات ولغات العالم
واكتشفت الدكتورة إيفا لافريش أن المصريين نجحوا فى اختراع لغتهم الكروية الخاصة بهم ولم يكونوا مثل مجتمعات أخرى كثيرة فى العالم حافظت على المفردات الكروية بلغتها الإنجليزية أو اكتفوا بترجمة هذه المفردات والمصطلحات إلى لغاتهم الأصلية .. المصريون وحدهم هم الذين مزجوا كرويا بين اللغتين الإنجليزية والعربية بترجمتها

 

قد يعجبك ايضآ

اترك رد