مقالات

اختراع اسمه الأندية الرياضية

بقلم الدكتور : ياسر أيوب
فى عام 1882 .. احتل الإنجليز مصر وتأسس أيضا أول ناد رياضى فى تاريخ مصر .. فقد طالب الإنجليز الخديو توفيق فى ذلك العام بتأسيس ناد خاص بهم فى مصر يمارسون فيه الرياضة والسباحة ويصلح لإقامة حفلات الرقص .. فأهداهم الخديو توفيق الأرض المناسبة لأول ناد إنجليزى فى مصر .. أو أول ناد على الإطلاق فى مصر .. وكان النادى الخديوى الرياضى والذى أصبحنا نعرفه فيما بعد باسم نادى الجزيرة .. وكان هذا النادى كأنه قطعة من إنجلترا غرسها الضباط الإنجليز على مشارف القاهرة ومنعوا المصريين من دخوله أو حتى الاقتراب منه .. وبالتالى لم يكونوا ليتأثروا به وبما يجرى داخله بعكس ما جرى فى أو مع أندية أخرى .. فروبير سوليه .. أشار فى كتابه الرائع .. مصر ولع فرنسى .. إلى أن الفرنسيين نجحوا عام 1891 فى تأسيس ناد فرنسى فى القاهرة .. فى مواجهة حديقة الأزبكية .. وكان جميع الأعضاء تقريبا يجتمعون يوميا فى هذا النادى .. يلعبون ويشربون ويقرأون .. وكانت المهمة الأولى لهذا النادى .. والدافع الأول وراء تأسيسه .. هو التقريب بين جميع الفرنسيين المبعثرين دون أن يغلقوا أبواب ناديهم فى وجه المصريين أو أى أحد وإذا كانت القاهرة قد سبقت باقى مدن مصر فتأسس على أرضها نادى الجزيرة كأول ناد فى مصر .. ولحقه عدد من الأندية الصغيرة المبعثرة فى شوارعها وضواحيها .. فإن الأندية بمعناها الحقيقى وبمختلف أدوارها ووظائفها .. لم تبدأ إلا فى الإسكندرية .. فالإسكندرية التى كانت عاصمة الأجانب فى كل مصر .. ربع سكانها من الأجانب .. وإلى حد أن الإسكندرية بدت وقتها وكأنها مدينة أوروبية تأسست على سبيل الخطأ فوق أرض مصرية .. ولأن هؤلاء الأجانب لم يمارسوا حياتهم فى الإسكندرية كضيوف أو غرباء .. وإنما استقروا وأقاموا كما لو كانوا يؤسسون لهم على شاطئ بحر الإسكندرية وطنا جديدا ودائما وأبديا .. منهم يونانيون وإيطاليون وفرنسيون وإنجليز .. بنوا المدارس والكنائس .. وافتتحوا الملاهى ومحلات التجارة بمختلف أشكالها ومجالاتها .. ثم بدأ هؤلاء الأجانب أيضا يؤسسون النوادى الخاصة بهم .. فشهدت الإسكندرية سبعة عشر ناديا .. معظمها كان أندية لليونانيين والإيطاليين .. فأسس اليونانيون النادى اليونانى الرياضى .. وميلون للجمباز .. والنادى اليونانى البحرى .. والإبراهيمية .. ونادى اليونان لكرة القدم .. أما الإيطاليون فقد أصبحت لهم أنديتهم الخاصة أيضا بعد ان أسسوا نادى الألعاب الإيطالى بالعطارين .. واتحاد إيطاليا الأهلى .. وريسوتو .. وسافويا .. وروما .. والنادى الإيطالى العسكرى وكانت هذه الأندية اختراعا أثار الجميع .. وبسرعة انتقلت العدوى إلى القاهرة .. والرغبة فى تأسيس وامتلاك أندية مثل تلك التى بدأت تعرفها وتستمتع بها الإسكندرية .. فبدأت الأندية تتأسس وتنتثر فى القاهرة .. أسس الإيطاليون نادى فداجلى والمختلط الإيطالى وريسوتو .. وأسس اليونانيون .. الذين كان عددهم فى القاهرة أقل كثيرا من الإسكندرية نادى اليونان أشيل .. وكانت هناك أندية أخرى مثل نادى الرنك هوكى ببولاق والذى أصبح يعرف فيما بعد باسم نادى السكة الحديد .. ونادى الألعاب .. ونادى سلاح سافولك الإنجليزى .. ونادى السلاح المصرى ومن المؤكد أن الأندية فى مصر أوائل القرن العشرين لم تكن مثلما هى فى أوائل القرن الحادى والعشرين .. ولم يكن من الضرورى ممارسة الرياضة أو البحث عنها أو حتى التفكير فيها والاقتراب منها .. فتعددت الأندية التى لا علاقة لها بالرياضة أو اللعب سواء فى القاهرة أو الإسكندرية .. وزاد فى المقابل عدد الأندية الرياضية .. ورغم أنها على كثرتها كانت كلها للرياضة ومن أجلها تأسست وبها دامت واستقرت .. فإنه يبقى أحد أخطائنا الشائعة والفادحة والفاضحة أيضا أننا خلطنا بين كل هذه الأندية فقمنا بوضعها كلها – هكذا مرة واحدة – فى سلة واحدة .. مع أنها فى الحقيقة يمكن .. أو هو من الضرورى .. تقسيم أندية مصر فى تلك الفترة إلى ثلاث مجموعات .. مجموعة تضم أندية الإنجليز المقصورة عليهم والمغلقة أبوابها فى وجوه غيرهم .. ومجموعة أخرى تضم أندية الخواجات والأجانب بعيدا عن الإنجليز وضباطهم وعائلاتهم .. ومجموعة ثالثة تضم الأندية المصرية التى أسسها مصريون وفتحوا أبوابها للمصريين جميعهم .. وكانت أهم اندية الإنجليز فى ذلك الوقت هى نادى الجزيرة .. ونادى السباق .. وهليوبوليس فى القاهرة وسبورتينج فى الإسكندرية الذى أسسه الجنرال تشارلز كول باشا وبدأ اليهود فى مصر بدورهم تأسيس أنديتهم الخاصة .. فتأسس أول ناد يهودى للجمباز فى مصر عام 1910 .. أما الخواجات والأجانب .. والذين كانوا يونانيون وفرنسيون وإيطاليون وبلجيك وألمان .. فقد كانت لهم هم أيضا أنديتهم .. وعلى سبيل المثال .. شهدت القاهرة فى عام 1908 .. التعاقد مع ألكسندر مارسيل .. المهندس المعمارى الفرنسى .. لبناء ناد جديد فى وسط المدينة يكون مخصصا للأجانب ولباشوات الطبقة الأرستقراطية .. ويصبح بديلا لهم عن نادى الجزيرة الذى أغلقه الإنجليز على أنفسهم .. وكانت هذه الأندية هى التى تأثر بها المصريون بالفعل بعكس أندية الإنجليز .. فأندية الإنجليز .. كانت أندية السلطة .. خاصة بالضباط الإنجليز وعائلاتهم .. مهمتها ووظيفتهاهى الترفيه عنهم وتسليتهم ومنحهم الإحساس المؤقت بأنهم لم يغتربوا عن الوطن .. والأهم من ذلك كله .. أنها كانت بأسوارها العالية وأبوابها المغلقة .. تفصل بينهم وبين عموم المصريين .. أما أندية الأجانب والخواجات الآخرين .. فلم تكن للسلطة أو للعزل ولم يؤسسها ضباط غزاة تضطرهم واجبات وظائفهم للعيش وسط الذين استعمروهم .. وإنما كانت لأجانب وخواجات انتقلوا للعيش فى مصر واختاروها وطنا بديلا سيعيشون فيه أعمارهم وبقية حياتهم هم وأولادهم .. وأسسوا هذه الأندية لأنهم احتاجوا إليها إما لممارسة ألعاب يحبونها أو هوايات يستعينون بها على قضاء أوقاتهم أو لامتلاك أماكن يلتقون فيها كأصدقاء أو شركاء فى الحياة والعمل
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق